ابن الأثير

71

الكامل في التاريخ

يقاتلوننا [ 1 ] لننزاح عنها فينزلوا [ 2 ] عليها ، فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنّا عليه على عكّا ، ويعظم الأمر علينا ، لأنّ العدوّ قد قوي بأخذ عكّا وما فيها من الأسلحة وغيرها ، وضعفنا نحن بما خرج عن أيدينا ، ولم تطل المدّة حتّى نستجدّ غيرها . فلم تسمح نفسه بتخريبها ، وندب الناس إلى دخولها وحفظها ، فلم يجبه أحد إلى ذلك وقالوا : إنّ أردت حفظها فادخل أنت معنا ، أو بعض أولادك الكبار ، وإلّا فما يدخلها منّا أحد لئلّا يصيبنا ما أصاب أهل عكّا ، فلمّا رأى الأمر كذلك سار إلى عسقلان ، وأمر بتخريبها ، فخربت تاسع عشر شعبان ، وألقيت حجارتها في البحر ، وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعيّة ما لا يمكن حصره ، وعفّى أثرها حتّى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع . ولمّا سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها ، وكان المركيس ، لعنه اللَّه ، لمّا أخذ الفرنج عكّا قد أحسّ من ملك إنكلتار بالغدر به ، فهرب من عنده إلى مدينة صور ، وهي له وبيده ، وكان رجل الفرنج رأيا وشجاعة ، وكلّ هذه الحروب هو أثارها ، فلمّا خربت عسقلان أرسل إلى ملك إنكلتار يقول له : مثلك لا ينبغي أن يكون ملكا ويتقدّم على الجيوش ، تسمع أنّ صلاح الدين قد خرّب عسقلان وتقيم مكانك ؟ يا جاهل ، لمّا بلغك أنّه قد شرع في تخريبها كنت سرت إليه مجدّا فرحّلته وملكتها صفوا بغير قتال ولا حصار ، فإنّه ما [ 3 ] خرّبها إلّا وهو عاجز عن حفظها . وحقّ المسيح لو أنّني معك كانت عسقلان اليوم بأيدينا لم يخرب منها غير برج واحد .

--> [ 1 ] يقاتلونا . [ 2 ] وينزلون . [ 3 ] لا .